أحمد بن محمد ابن عربشاه

564

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

العناد ، فلما أسلمت وتلوها للجبين ، وعلمت أنه جاءها الحق المبين ، قالت لأولئك الكفار : لا تقتلوني يا حضار وأنا أفتدى نفسي منكم بعقود من اللؤلؤ كبار ، فأنهوا القضية إليه وعرضوا ما قالته عليه ، فقال : اتركوها ثم بما قالت طالبوها ، لننظر أصدقت أم اختلقت ، فأطلقوها وبتقاضى اللؤلؤ أقلقوها ، فقالت : لم أفه بزور ولا دليتكم بغرور ، وإنما اللؤلؤ كان عندي وحين استخلصتم مالي كان في يدي فخفت منكم فابتعلته ، وتبّ لفعل صنعته ، فأمهلونى حتى أتبرز ويخرج منى ذلك المخرز . فأنهوا كلامها إليه وعرضوا أمرها عليه ، فقال : ابقروا بطنها ، وانظروا قطعها ، فإن وجدتم شيئا فهو لكم وإن كانت كاذبة فقد استحقت فعلكم ، فشقوا بطنها البطين واستخرجوا منه الدر الثمين ، فلما رأوا صدقها وحققوا نطقها ، وأمرهم بشق بطون جميع القتلى وتفتيش ما طرحوه من جبال الأشلا ، فلم تنج رؤوس الروس من المثلة بعد القتل ، ولا بطون الصدور من ظهور التنكيل أثر البتل . ثم أمر بهدم الحصون بعد ابتذال المال والعرض المصون ، فمحت الديار ولم يبق فيها ديار ، ثم عبر من جيحون إلى خراسان ، وجعل نصب عينيه ممالك السلطان ، وتوجه إلى بلخ وهي إحدى معاقل الإسلام ، وفيها من أمم الأنام ما لا يدرك ضبطه سابق الأقلام ؛ بل يخرج عن حصر الأوهام ولا يحصيه إلا الملك العلام ، وكان السلطان قد انشمر عنها - كما ذكر - إلى نواحي طبرستان ، فوصل بتلك البحار الطامية في ثمان عشرة وستمائة ، فخرج إليه الأعيان وطلبوا منه الأمان ، فأجاب سؤالهم بما يصلح حالهم ، ثم اختشى من السلطان جلال الدين بن المرحوم قطب الدين ، فلم يركن إليهم ولا عول عليهم ، فأمر بإراقة الدماء وهدم البناء ، وإحاطتهم بدائرة الفناء ، فأفنوهم عن آخرهم ، وساووا بالحضيض بقاع عمائرهم .